Intro Available in Arabic! الترجمة العربية موجودة

Follow the jump to read the introduction of “Paradise Beneath Her Feet” in Arabic.

اضغط أدناه لقراءة المقدمة بالعربية

الجنة تحت أقدامها

تاريخ النسائية الإسلامية وحاضرها

تأليف: إيزابل كولمن
ترجمة: جون تسيه-هان تشين

كتاب مجلس العلاقات الخارجية بنيويورك
من الكتاب باللغة الإنجليزية
Paradise Beneath Her Feet, by Isobel Coleman

إيزابل كولمن 2010©
طبع بعقد مع:

Random House, an imprint of The Random House Publishing Group, a division of Random House, Inc.

جميع حقوق الطبع محفوظة.

**********

جَاْءَ جَاهِمَةُ السِّلْمِيُّ إِلَىْ النَّبِيِّ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَاْلَ يَاْ رَسُوْلُ اللهِ أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوْ وَقَدْ جِئْتُكَ أَسْتَشِيْرُكَ فَقَاْلَ هَلْ لَكَ مِنْ أُمّ ٍ قَاْلَ نَعَمْ قَاْلَ فَالْزِمْهَاْ فَإِنّ الجَنَّةَ تَحْتَ أَقْدَاْمِهَاْ.

-سنن النسائي ج. 6 ص. 11

الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعباً طيب الأعراق.

– حافظ ابراهيم
شاعر مصري 1872-1932

**********

مقدمة

إن التعليم مثل الماء والهواء
إن غابا استحال الزرع والحصد.
وإن البنات إذا تعلمن ،
تمكنّ من النهوض بالمجتمع.

– ملا أفغاني، 2004

القرية ما هي إلا عدة بيوت طينية تتشبث بجرف صخري. والدرب المسلوك يشق طريقه بين جدر جلاميد، ماراً ببساتين مهجورة أشجارها توقف نموها وعبر قاع الغدير المجفف الذي ينهب طريقه منحدراً عبر الوادي. نحن في هزارة جت، بالمرتفعات الوسطى في أفغانستان. تطل قمم جبال هندوكش المكللة بالثلوج على السهول. لا توجد طرق. فبعد رحلة إثنتي عشرة ساعة من كابول العاصمة، تلهث سيارتنا “تويوتا لاند .كروزر” لتقطع نصف الميل الأخير للوصول إلى .القرية. تضطرب العجلات وترتج فوق أحجار ضخمة وعلى تربة من الطين المدموك لمزارع شتوية قاحلة.

رفيقتي الدكتورة شكرية حسن مرأة هادئة متواضعة في منتصف الأربعينات من عمرها، شعرها المجزع بالرمادي ووجهها المتورد المجعد من الشمس يجعلانها تبدو أكبر من سنها. إنها من أبناء هذه المنطقة، وتشتهر في هذه الأنحاء بعملها في مجال الصحة العامة مع الهزارة، وهم أقلية عرقية تُعامَل كأنهم من الدرجة الثانية في المجتمع الأفغاني. الدكتورة تعمل مديرة الصحة في منظمة محلية غير ربحية اسمها “أفغانستان أجيال المستقبل ” التي تعاون على توفير الرعاية الصحية وتحسين التعليم في مثل هذه القرى النائية.

وكنت قد سمعت أن منظمة أفغانستان أجيال المستقبل تتعاون مع الزعماء الدينيين المحليين لإقامة فصول قراءة وكتابة للبنات، فأردت أن أعرف أكثر. فما زال المجتمع الأفغاني يترنح من الأصولية الإسلامية المتطرفة التي مارسها الطالبان لقمع النساء وقهرهن باسم النقاء الديني، بما في ذلك منع البنات من الالتحاق بالمدارس. ولكني وجدت هنا ملالٍ أفغان، وهم زعماء دينيون في مجتمعاتهم، يستخدمون المسجد ببصيرة كمدرسة للبنات. إنهم لم يكونوا يخالفون طالبان فحسب، بل يستدعون الإسلام كحجة ودافع لأعمالهم.

ولعلمها باهتمامي بتعليم البنات في الشرق الأوسط، الذي هو جزء من أبحاثي في مجلس العلاقات الخارجية، بدوره هيئة لدراسة السياسة الخارجية في نيويورك، فقد اقترحت الدكتورة حسن أن تريني تلك المدرسة القائمة في مسجد في هزارة جت. فقد كنت أدرك أن المساعي الدولية لتعليم البنات في أفغانستان لن تنجح إلا بتفادي ردود الأفعال الثقافية السلبية التي أحبطت المبادرات السابقة. لذا فعليها إشراك الجماعات المحلية، وحشد دعم القادة المحليين مثل ذلك الملا الهزاري، وفوق ذلك كله كشف طرق للعمل ضمن إطار الإسلام وليس ضده. فحتماً أن وقوف الإسلام في صف التغيير قد يكون الطريق الوحيد لإحداث تحولات ثقافية حساسة مثل تعليم البنات، وعلى صعيد أوسع، تمكين المرأة، في مجتمعات إسلامية محافظة مثل أفغانستان.

عندما لم تستطع سيارتنا التقدم أكثر مما فعلت، نزلنا منها ونسير على الدرب باتجاه مسجد القرية عند أسفل التل، حيث تـُعقد الفصول للبنات. يقترب الربيع فتذوب آخر بقع الثلج على السفوح تحت أشعة الشمس الخفيفة. لا يمكن التمييز بين المسجد والبيوت إلا بعلم أخضر (رمز الإسلام) يرفرف فوق السطح المصنوع من القش والطين. والملا واقفاً في انتظارنا عند المدخل يشتت الدجاج ويدعونا أن ندخل. نتبادل التحية التقليدية بوضع اليد اليمنى على القلب وإيماء بالاحترام. تفضّل أغلبية الرجال المسلمين المحافظين ألا يلمسوا امرأة غير ذات القربى، ولذلك اعتدت على تجنب الحرج الناتج عن مد يدي للمصافحة، حسب العادة الأمريكية.

يتكون المسجد من غرفة واحدة يضيئها مصباح غير مغطى يتدلى من السقف. الغرفة راطبة تختلط فيها روائح بدنية نفاذة برائحة الصوف المبلل المميزة. لا يستطيع سخان الغاز في زاوية الغرفة تدفئة المسجد، في حين يضيف إليه رائحة البروبان الفريدة. أسهمت الأموال التي يرسلها اللاجئون من القرية العاملون بالخارج في شراء نوافذ المسجد وسجاجيده الحمراء الكثيفة. يوجد على جدار ملصق طُبعت عليه صورة مدينة مكة المكرمة، وتتعلق بجدار آخر صورة آية الله الخميني، قائد الثورة الإسلامية في إيران، مستغرقاً في التفكير. يبلغ عمر هذا المسجد الذي بنته وتديره الأسر المحلية ما يقرب من عشرين سنة. تتيح هذه الفصول أول فرصة للنساء لكي يزرن المسجد بشكل منتظم، فكان من عادتهن أن يدخلنه أيام الجنازات أو مناسبات خاصة أخرى فقط.

تزدحم الغرفة بنساء من جميع الأعمار، من الرضع حتى الجدات الطاعنات، تتراوح الأغلبية بين تسع سنوات وستة عشر سنة، يحضر كلهن ما يناظر السنة الأولى من المدرسة الابتدائية. الطالبات تتجاوز أعمارهن الحد الأقصى لدخول النظام المدرسي الوطني. فالربع منهن متزوجات تعتني حمواتهن بالأطفال أثناء حضور الفتاة الفصل الدراسي. تريد أولئك الفتيات أن يتعلمن القراءة والكتابة لكي يساعدن أولادهن في واجباتهم المدرسية ويشاركن في حل مشاكل الأسرة بشكل أحسن. أصغر الطالبات — خمسة منهن يبلغن ست سنوات فقط — يحضرن المدرسة في المسجد لأن المدرسة الحكومية الوحيدة في منطقتهن تبعد بأكثر من ساعة سيراً على الأقدام، أي أكثر بكثير مما يمكنهن أن يمشينه مرتين كل يوم.

يقوم الملا فجأة ويطلب السكوت من الجميع. للمناسبة الخاصة المرتجلة، ألا وهي استقبالنا. يبدأ الملا الذي يحيط به اثنان من كبراء القرية بصلاة قصيرة قبل أن يشكر برقة الدكتورة حسن ومنظمة أفغانستان أجيال المستقبل على دورها في دعم تعليم الفتيات في القرية، كما يشكرني أيضاً على القيام بالرحلة الطويلة من كابول.

الملا يجيل ببصره في الغرفة ويتحدث بثقة المعتنق لدينه الجديد، فيقول بصوت قوي: “إن التعليم مثل الماء والهواء، إذا غابا استحال الزرع والحصد. وإن البنات إذا تعلمن تمكنّ من النهوض بالمجتمع.” الإيمان والتصميم اللذان يعبر عنهما الملا بهذا البيان القصير قد يجسّد نقلة نوعية ليس لهؤلاء البنات فحسب بل لملايين البنات حول العالم اللواتي يُعتبرن غير مستحقات للتعليم.

فاطمة المدرّسة تقف بجانب الملا وتبتسم بكل فخر. تلبس فستاناً طويلاً وبنطلون فضفاض، ويغطي شعرها وشاح طويل من قطن أبيض. تفرد ورقة مطوية وتقرأ، بشيء من العصبية، رسالة كتبنها الطالبات: “التعليم أفضل من الجلوس في زاوية البيت. قال النبي صلى الله عليه وسلم إن تعليم الفتيات واجب.” البنات والنساء الجالسات على الأرض يمئن موافقتهن برؤوسهن. درّست فاطمة هؤلاء البنات لثمانية أشهر، وهذه وظيفتها الأولى خارج البيت. إنها من النساء المتعلمات القليلات من القرية فقد أكملت دراساتها في الستينات، “السنوات الذهبية” في أفغانستان. فقد كانت الستينات فترة سلام نسبي في البلد تمتع الشعب أثناءها بالقيادة الحميدة لآخر ملوك أفغانستان، محمد ظاهر شاه، بقدر من التقدم من ناحية بناء الطرق والمدارس.

أسأل الطالبات بعد أن تختتم فاطمة كلمتها ماذا يردن أن يفعلنه بعد إكمال دراساتهن، فتتدفق أحلامهن. تقول غلافزار (بنت عمرها عشر سنوات لها خدان ورديان وعينان بنيتان واسعتان) إنها تريد أن تكون طبيبة، كما تصر ناهد (أم عمرها سبعة عشر سنة لها وجه ارتسم عليه التعب) على أنها تريد أن تكون مدرّسة مع أنها تحمل طفلاً بين ذراعيها. البقية هن صدى لهما: “مدرّسة… طبيبة… طبيبة… قائدة طائرة… مدرّسة.” إن حماستهن معدية. ترمز أحلامهن ما لكل البنات الأفغانيات من حنين إلى التعليم.

بيد أن أقرب مدرسة ثانوية تقع في مدينة غزني التي تبعد عن هذه القرية بست ساعات في أحسن الظروف. وعلاوة على ذلك، يستعصي على البنات أن يحضرن المدرسة إلا إذا انتقلت الأسرة لكي تسكن قريباً منها، نظراً لعدم وجود سكن داخلي لتلك المدارس. أستبعد بقاء هؤلاء البنات بالمدرسة لأكثر من سنتين أو ثلاثة في المدرسة الابتدائية. قد يكون من المدهش أن هؤلاء البنات من المحظوظات في المناطق الريفية من أفغانستان، فيتمتعن على الأقل بفرصة تعلم القراءة والكتابة بفضل الدعم الذي توفره قريتهن. وعلى الرغم من الاستطلاعات الإحصائية المشيرة إلى أن تسعين بالمئة من السكان الأفغان يؤيدون تعليم الفتيات، إلا أنه يوجد متطرفون بين مجموعة العشرة بالمئة التي تعترضه وهم مستعدون للجوء إلى استخدام العنف لفرض آرائهم المحافظة. ففي مناطق واسعة في جنوب البلاد وشرقها، لا يذهب إلى المدرسة إلا قليلات من البنات ، إذ أن تلك المناطق معظم سكانها هم من قبائل البختون، معقل الطالبان الأرسخ. فقد طرد وخوّف الطالبان حتى الأكثر تصميماً من خصومهم، وشنوا هجمات مميتة على مدارس البنات.

استولى الطالبان، وهم حركة متطرفة للغاية، زمام السلطة بعد سنوات الحرب الأهلية المريرة التي اعترت أفغانستان بعد انسحاب الاحتلال السوفياتي. فقد غزت القوات السوفياتية أفغانستان عام 1979 لتعزيز وكيلها غير الشرعي، الحكومة الشيوعية الأفغانية. بعد ذلك، حاول المستشارون السوفييت لمدة عقد أن ينفذوا مشاريع تحديث في البلد في حين التحموا في حرب عصبات وحشية مع المجاهدين الأفغان وهم الفدائيين الذين قاتلوا باسم الجهاد ضد الاحتلال.

ركز بعد مهم من أبعاد المشروع السوفياتي لإعادة إعمار أفغانستان على تمكين المرأة، فاعتقد السوفيات أنهم إذا أجبروا الأفغان الريفيين أن يعلّموا البنات فسينجم التطور والتقدم عن ذلك تلقائياً. بالـتأكيد، يرتبط تعليم الفتيات ارتباطاً وثيقاً بتحسين الصحة الأسرية وانخفاض معدلات الحمل والمزيد من الازدهار الاقتصادي الوطني. ولكن الأفغان رأوا أن السياسات التعليمية السوفياتية المغالية، التي تضمّنت فصولاً مختلطة ومدرّسين ذكور يعلّمون بنات حتى في الريف، ناءت منظومة القيم الاجتماعية وانتهكت الأعراف الدينية، فأصبح الدفاع عن البنات الأفغانيات من الممارسات السوفياتية الملحدة بمثابة صرخة حشد قوية بالنسبة للمجاهدين. هرب مئات آلاف من الأفغان من البلد فأخبروا عمال الإغاثة في مخيمات اللاجئين في باكستان أنهم يفضلون مركز اللاجئ، إذا سمح لهم بأن يكونوا أوفياء لدينهم، على تسليم بناتهم لإلحاد المدارس السوفياتية.

فشل السوفييت في إخضاع أفغانستان فانسحبت آخر الدبابات السوفييتية في 15 فبراير عام 1989. ولكن لم يؤد انسحابهم إلى السلام الذي تاق إليه الأفغان فبدلاً من ذلك اندلعت الاشتباكات وصراعات بين المجاهدين أنفسهم فغاص البلد في حرب أهلية استغرقت حتى عام 1996. دمر قادة المجاهدين كابول تدميراً شرساً في حين تقاتلوا للسيطرة على العاصمة. وسرعان ما تلاشى أي “تحديث” حققها السوفيات خلال احتلالهم.

ظهرت حركة الطالبان في جنوب أفغانستان وسط هذه الفوضى. في البداية، احتضن الأفغان، وهم مرهقين من سنوات الحرب، السلام الوحشي الذي فرضته على البلد هذه الحركة المحافظة. ولكن على مر الوقت أخذ الشعب الأفغاني يعاني خسائر وخيمة كبدتها قسوة الطالبان وتفسيراتهم المتطرفة للشريعة. وكانت القيود القاسية التي فرضوها على النساء ضارية وشكلت عبئاً بوجه خاص، فأطلقوا العنان لأعمال العنف ضد المرأة بسبب عدم ارتداء البرقع والظهور في الشوارع بدون محرم بل والضحك علنياً. رجم الطالبان نساء متهمات بالزنا أمام حشود تهتف “الله أكبر.” ومع أن انهيار الطالبان عام 2001 قد جلب بعض التحسن للنساء، فإن الفرص التعليمية ما زالت ضئيلة. وحتى في يومنا هذا، تبقى مدارس مثل المدرسة القائمة في المسجد في هزارة جت من الاستثناءات.

بعد الحصص المدرسية، أجلس أنا والدكتورة حسن مع الملا، ونشرب الشاي. وقد احتشد الأطفال بوجوههم على النافذة يحملقون فينا. لم تقابل أغلبية سكان القرية أجنبية من قبل، ناهيك عن أمريكية. يفترضون أني بالطبع موظفة حكومية ولذا فبوسعي أن أحضر لقريتهم التنمية التي يحتاجون إليها—ليس مدرسة فحسب بل الماء الصاف والكهرباء والأدوية، فعندما أحاول أن أشرح أني مجرد كاتبة، يقدم لي الملا قائمة من احتياجات القرية. يهز رأسه بحزن عندما أطرح موضوع الطالبان. يقول بشكل دفاعي معروف لي بعد نقاشات متشابهة مع أفغان آخرين: “الإسلام هو دين التعليم للأولاد والبنات على سواء. الطالبان جهلة لا يفهمون أسس الإسلام ولا أصوله. قال النبي صلى الله عليه وسلم أن تعليم الفتيات فرض.” يبدو الملا مفتخراً بالدور الذي يلعبه في ابراز حجم المأساة التعليمية التي نتجت عن سيطرة الطالبان.

ويتحسر الملا على هذا الوضع، ويتسلل الإحباط إلى صوته، فيقول: “ليس هناك مكاناً آخر يمكن فيه اجتماع النساء. قراءتهن وكتابتهن مهمتان لمستقبلنا. ولكن المسجد مزدحم. سيكفي حتى إشعار آخر، ولكن النساء يجب أن يدرسن في مدرسة إذا بنيت.” ينظر من النافذة نظرة أسى وتوق إلى أرض بور لا تقطعها طرق ولا خطوط كهربائية ولا سقاية للحقول الجرداء. ويهز كتفيه اعترافاً بأن سنوات طويلة قد تمر قبل بناء مدرسة في القرية. في غضون ذلك، يجب الاكتفاء بالمسجد. يتطلع الملا إليّ مباشرة فيقول: “أرجوك يا أمريكا…لا تتركينا.”
*****
في سنة 2002، سألني الدكتور لزلي جلب، الذي كان آنذاك رئيس مجلس العلاقات الخارجية حيث أعمل كباحثة تتخصص في شؤون الشرق الأوسط، أن أضع برنامجاً حول المرأة والسياسة الخارجية الأمريكية. ترددت في ذلك، قائلة إنني لم أعرف سوى قليل عن قضية المرأة أو القضايا ما بين الجنسين. في الحقيقة، بدا تشكيل برنامج يركز على قضية المرأة، بالنسبة لي، فكرة لا مجال للتطرق إليها. حرصت من جهتي على تجنب أي دراسات نسائية خلال دورتي الدراسية بالجامعة أو الدراسات العليا، فذكرني مفهوم “حقوق المرأة” بصورة نمطية للمرأة النزقة الميسورة الحال التي تحاول دخول نوادي الجولف المقصورة على الرجال. لقد نشأت في أمريكا “ما بعد النسائية،” والتحقت بمدارس وجامعات ذائعة الصيت، وحققت نجاحاً مهنياً بفضل عدة معلمين ذكور على طول الطريق. لم أكن واعية أبداً بالقضايا ما بين الجنسين، ولكن الدكتور جلب رجل مثابر. فقرأت عن الموضوع واستجبت لحثه وسرعان ما استحوذ على انتباهي وشعرت بخطأ موقفي السابق.

لم ألبث أن فهمت أن سعي النساء للعدالة في أنحاء العالم هو أحد قضايا حقوق الإنسان الأساسية، كما أنه محوري لمعالجة عدد من المخاوف الأكثر إلحاحاً في السياسة الخارجية الأمريكية بما في ذلك تخفيف حدة الفقر وتعزيز التنمية الاقتصادية وتحسين الصحة العالمية وبناء المجتمع المدني وتعزيز الدول الهشة أوالفاشلة ومساندة عملية الدقرطة وكبح جماح التطرف. توصلت إلى التقدير أن الجنوسة (أي، القضايا ما بين الجنسين) من أهم المناظر التي ندرس من خلالها مجموعة كبيرة من أولويات السياسة الخارجية، فلبيت النداء الذي وجّهه إليّ الدكتور جلب.

في رأيي، كان السؤال الأكثر إلحاحاً منذ البداية: كيف يمكن أن تتقدم حقوق المرأة في تلك الأماكن مثل أفغانستان حيث تعترضها العادات والتقاليد المتجذرة دينية أكانت أو ثقافية؟ من المتأكد أن تمثل حقوق المرأة أحد المسائل السياسية والإيديولوجية الأكثر إثارةً للجدل حول العالم الإسلامي، وأن تسهم المواقف تجاه المرأة في تحديد النظرتين المحافظة والتقدمية في الإسلام وتباينهما، إذ إن المحافظين من جهتهم يعزون طهارة مجتمعاتهم وصحتهم الإسلامية إلى تقوى المرأة، كما أنهم يوظفون المبررات الدينية لكي يوطدوا تلك التقوى على أرض الواقع بشكل يحد من دور المرأة العلني، ويجري الفصل بين الجنسين، ويفرض عقوبات قاسية على أي تجاوزات أو تعديات لهذا. فقد كثر وصف المناداة بحقوق المرأة بأنه بطبيعته معاد ٍ للإسلام، وقام إسلاميون ذوو نفوذ بحملات تشهير منذ عقود تقول إن المجموعات النسائية تابعة وخاضعة لمصالح غربية استعمارية غير شرعية.

لقد اتضح وسط هذه البيئة المشوبة بالتحديات أنه لا يمكن فرض تمكين المرأة على شعب ما أو ثقافة ما من الخارج، ويقال مثله في أكثر من مجال، فبدلاً من ذلك يجب على الرجال والنساء في هذه المجتمعات المحافظة أن يجدوا أسباب وحجج لأنفسهم من أجل توسيع دور المرأة فيها. المهم الآن أنهم يجدون هذه الأسباب أكثر فأكثر داخل الإسلام نفسه. يتناول هذا الكتاب تضافر هذه الجهود، خطوة فخطوة، في حركة عالمية ناضجة تسمّى “النسائية الإسلامية”، أو “النسائية المسلمة”، وتأثيرها المحول على الشرق الأوسط الأكبر.*

النسائية الإسلامية تعني توسيع حقوق المرأة عن طريق الخطاب الإسلامي. بينما استخدم المحافظون الإسلام عائقاً أمام تمكين المرأة، فقد حولت النسائيات الإسلاميات تلك الحجة رأساً على عقب، مستعملات الإسلام لتعزيز المساواة بين الجنسين، فيدفعن بأن الإسلام في جوهره تقدمي للنساء وبأن رسالته تدعم تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء. وتقدم النسائيات الإسلاميات طريقاً مستداماً ومقبولاً ثقافياً لتوسيع الفرص للنساء من خلال ترسيخ حججهم ضمن إطار الخطاب الإسلامي. ويسمح هذا النهج أيضاً بأن يطالبن بحقوقهم بدون أي شعور بالتعارض مع هويتهم الدينية. ومن ثم تتيح جهودهم فرصة تحقيق المزيد من الازدهار والاستقرار في المنطقة حيث تكوّن أفكارهم جزءاً لا يتجزأ من تيار إصلاحي عريض القاعدة يجري في الإسلام، ألا وهو من النضالات الإيديولوجية الأكثر شأناً في أوائل القرن الحادي وعشرين.

يعتبر الملا الذي تعرفت عليه في هزارة جت نسائياً إسلامياً، وإن كان غير مدرك لذلك، نظراً لتوظيفه الأدلة القرآنية الداعمة لتعليم الفتيات، مع أنه بلا شك كان سيتجنب كلمة “النسائية” بأي شكل من الأشكال، وسينأي بنفسه عن الدلالات الثقافية الغربية التي تصاحبها. كما كان سيفعل الكثير من النشطاء الذين أسميهم نسائيين إسلاميين لأنهم يعتبرون أنفسهم مجرد مسلمين دعاة إلى توسيع حقوق المرأة في إطار إسلامي. ولكنهم إن سُئلوا عن إيمانهم وتأكدهم من أن رسالة القرآن تضم المساواة بين الجنسين، أو أن الخطاب الإسلامي ينبغي أن يُوظف لأجل تمكين المرأة، فسيجيبون بنعم مدوية.

تستوعب النسائية الإسلامية أفكار مفكرين ونشطاء مسلمين (وغير مسلمين) عديدين. وفوق هذا، بعض أنصارها ومؤيديها الرواد هم من الرجال—المفكرين المميزين الذين يرون أن الإسلام كان متساوياً بشكل جذري عند ظهوره وما زال كذلك اليوم حسب الكثير من نصوصه. ويدعي النسائيون الإسلاميون أن الشريعة تطورت بطرق مسيئة للنساء، ليس بسبب أي ضرورة أو حتمية أو قصد في صلب عقيدته، ولكن بسبب تفسيرات انتقائية طرحها قادة أبويون. وزعموا أن الممارسات الأسوء تجاه النساء، مثل ممارسات الطالبان في أفغانستان، تمثل تشويهاً للمبادئ الإسلامية وانحرافاً عن أصولها، وإفسادها بالعادات والتقاليد القبلية. وهم يأيدون إعادة قراءة القرآن، وفهم النصوص الدينية في سياقها التاريخي، وفك ارتباطها بالعادات والتقاليد القبلية وغيرها من التقاليد المحلية، وهم يسعون إلى إحياء حالة المساواة التي اعترف بها الدين الإسلامي للمرأة أصلاً.

تكمن الإمكانية الكبرى للنسائية الإسلامية في ندائها الشعبي، فقد كانت النسائية العلمانية في العالم الإسلامي وفي الغرب على حد سواء مجال النخبة والمفكرين المدنيين، الأمر الذي شكل نقطة ضعفها الرئيسية. يقتضي التغيير الاجتماعي وقتاً ينتشر خلاله من صالونات المدن وجرائدها إلى الريف، وخاصة في مناطق تفتقر إلى الطرق والتعليم العام، ولكن النسائية الإسلامية، كحركة تعمل داخل منظومة قيم الإسلام وليس ضدها، تتمتع بإمكان الاحتضان من قبل القادة المحليين أو بالأحرى الزعماء الدينيين—مثل الملا الهزاري—الذين يمكنهم أن يوظفوا سلطتهم ونفوذهم في مواجهة التغييرات الصعبة المهمة أمامنا.

يمكن وينبغي أن ننظر في النسائية الإسلامية كجزء من نضال أوسع واقع داخل الإسلام في يومنا هذا، ثم إن الدكتور خالد أبو الفضل، واحد من أبرز المفكرين المسلمين المعاصرين، يصف المرحلة المقبلة كنقطة تحول للإسلام تتنافس فيها نظرتان متناقضتان أولهما “الإسلام المعتدل” وثانيهما “الإسلام المتطهر.” (يصطلح مفكرون آخرون على ثنائية “الإسلام الليبرالي” أو “التقدمي” في مقابل “الإسلام المحافظ” أو “المتطرف” وصفاً لنفس المفارقة.) كما يشرح الدكتور أبو الفضل أن المسلمين، ومع أنهم يوافقون على مجموعة أساسية من المعتقدات والممارسات بما فيها التوحيد وقبول النبي محمد كصاحب الرسالة والصلاة والصوم إلى آخره، فإنهم يختلفون اختلافاً عميقاً على نقاط متشعبة متعلقة بهذه المبادئ، من حيث فهمهم للشريعة وسبل تطبيقه، ومواقف متفاوتة أمام الحداثة، ومناظر متباينة عن طبيعة الجهاد ودوره، وأفكار مفارقة عن شرعية الإرهاب، واعتقادات متعددة حول دور المرأة في المجتمع طبعاً.

إن دور المرأة مختلـَفٌ عليه في جميع أرجاء العالم الإسلامي. فتمثل المواقف تجاه المرأة خطاً فاصلاً بين أنصار الإصلاح الاقتصادي وحقوق الإنسان والديمقراطية من ناحية، وبين الذين يتمسكون بأفكار متطرفة للمجتمع من ناحية أخرى. الموقفان المتناقضان تماماً بين الملا الذي يجرؤ على إقامة مدرسة للبنات في مسجده، وبين الطالبان الذين يحرقون مدارس البنات لمجرد وجودها، لا يمثلان سوى تجل واحد لهذه الاختلافات، في أقصاه، في بعض المجتمعات الإسلامية اليوم.

ستكون نتيجة هذا النضال مهمة للغاية. مع أن الملفات الساخنة حالياً مثل الجهاد والإرهاب تسود على العناوين الإعلامية، فإن المواقف تجاه المرأة وحقوقها ستلعب دوراً أعمق في تشكيل التطورات الاقتصادية والاجتماعية في مثل هذه البلاد، ناهيك عن تفاعلاتها مع الغرب.

بينما يمكن وصف تمكين المرأة بأنه مسألة أخلاقية، فإنه يمثل أيضاً مسألة اقتصادية بالغة الأهمية. باختصار، يستحيل الازدهار الاقتصادي بدون مشاركة نصف كامل من السكان. من اليقين أن الاستثمار في تعليم الفقيات وتوفير الفرص الاقتصادية يفيدان التطوير والتنمية في بلد ما إفادة هائلة، فيؤديان إلى ارتفاع نصيب الفرد من الدخل الذي يفيد الأجيال المقبلة مباشرة.ً وقد أثبت فحص بعد فحص أن النساء يستثمرن قدراً أكبر من دخلهن في الأسرة قياساً بالرجال، إذ يمثل تمكين المرأة، كما يعترف الكثير من الناس ذوي الشأن بالتنمية الدولية، فرصة ذهبية لتخفيف حدة الفقر عالمياً.

أما مشاركة النساء الفعلية في المجال العام فإنها كذلك بالغة الأهمية فيما يخص تطور المجتمع المدني على صعيد أوسع، فمن نافلة القول إن الدول التي تقمع النساء هي الأكثر ميولاً إلى الأنظمة الاستبدادية والأكثر منكوباً بالتطرف.

لقد كثرت الأقوال والبيانات في الحقبة ما بعد 11 سبتمبر 2001 عن “صراع حضارات” بين الغرب والعالم الإسلامي. يفترض هذا الكلام في صميمه أن الدول المسلمة الأغلبية والدول الليبرالية الغربية لا تشترك في نفس القيم ولكن خلافاً لذلك، تـُجمع هاتان المجموعتان بشكل مدهش على موضوع واحد هو اتفاق أغلبية كاسحة منهما (85 بالمئة أو أكثر) على أن الديمقراطية هي النظام الأفضل للحكومة الذي يؤثره الناس لمجتمعهم. ورغم أن مشاركة النساء لا تؤدي تلقائياً وضرورياً إلى الديمقراطية، فإن الديمقراطية لن تتحقق في غيابها.

يدور أهم الاختلافات بين الغرب والدول ذات الأغلبية المسلمة حول القضايا الاجتماعية. ففي الغالب، يكون المجيبون على استطلاعات الرأي في البلاد الإسلامية أقل تسامحاً تجاه المثلية الجنسية والإجهاض والطلاق. ولكن أوسع التباعدات تشكلها الآراء تجاه المرأة، ولاسيما بين الأجيال الشابة. فبينما يفترض الشباب في المجتمعات الغربية بوجود المساواة بين الجنسين، فقد شب نظراؤهم في البلاد الإسلامية في غالب الحالات في بيئة متدينة أكثر مما كان عليه جيل والديهم، فبقوا تقليديين في نظراتهم إلى أدوار الجنسين ومعاملاتهما. وبقدر ما تتولى هذه الأجيال السلطة في مختلف البلاد، سيصعب أكثر فأكثر التوصل إلى الموافقة على هذه القضايا. كما يلاحظ البعض، التحدي الحقيقي الذي يواجهنا هو “صراع حضارات جنسي،” أي شقة خلاف ثقافية متوسعة بين الدول المسلمة الأغلبية وبين الغرب حول القضايا ما بين الجنسين.

لا شك في أن أسهم صعود الإسلام السياسي (أو مجرد “الإسلامية” كما تسمى أحياناً) في ظهور ما يسود في الشرق الأوسط من الآراء المحافظة تجاه المرأة. أخذ الإسلام السياسي صعوده المستمرّ في أعقاب هزيمة مصر المذلة في حرب يونيو 1967 العربية-الإسرائيلية حين لم يعد الفخر الثقافي كافياً لإشباع آمال ملايين من العرب في أرجاء المنطقة. وبقدر ما تدهور لمعان القومية العربية وأمجادها، انجرفت المنطقة بموجة إسلامية حلت محل العروبة. وقد شاركت كل من الثورة الإسلامية في إيران والجهاد ضد السوفييت في أفغانستان والصراع العربي-الإسرائيلي الدائم في إحياء الإسلام السياسي وتنشيطه وتعبئته حول العالم الإسلامي الأكبر، كما أن الحرب ضد الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة وغزو كل من أفغانستان والعراق باسمها ونجاحات حزب الله وحماس ضد إسرائيل أمـَدَّت الحركات الإسلامية بطاقة وحيوية في السنوات الأخيرة. وما زال شعار الإخوان المسلمين، “الإسلام هو الحل،” يتردد حول المنطقة وخاصة في صفوف قطعات عريضة من المجتمع تفترض أن الولاء المجدد للإسلام هو أفضل طريقة لمعالجة مشاكلهم.

تصور الحركات الإسلامية حريات المرأة وكأنها بطبيعتها تزرع بذور الفساد الثقافي، فلا يمثل تمكين المرأة، حسب الكثير من الإسلاميين، سواء أكان اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، سوى الخطوة الأولى نحو الانحطاط والإلحاد والزنا والدعارة وانهيار الحياة الأسرية وما إلى ذلك. وعلى هذا الأساس، يقاوم بعض الزعماء الدينيين والقبليين تعليم الفتيات، كما أن جماعات الضغط الإسلامية القوية احتفظت على قوانين مظلمة غير منصفة باسم التمسك بالشريعة وخصوصاً في حيز قانون الأسرة، إذ إن ربط النسائية ب”هرطقة” الغرب هو حيلة بارعة ، إذ يسبغ على الأبوية مسحة وطنية. وهذا ما يزيد من أهمية النسائية الإسلامية التي تدحض تهمة أن النسائية لا تعدو أن تكون مستورد غربي غير شرعي.

لقد عانت قضية تمكين المرأة في الشرق الأوسط زمناً طويلاً لارتباطها بالاستعمار والعلمانية. وبقدر ما تراجعت القوى الغربية على مر عقود إنهاء الاستعمار العاصفة، تولى الحكم عدد من القادة العسكريون تضمنت مشروعاتهم لتحديث مجتمعاتهم محاصرة دور النظام الديني السابق وتقليصه بالغصب وقلب قرون من العادات والتقاليد الثقافية، من أشهرهم مصطفى كمال أتاتورك وهو مؤسس تركيا الحديثة المفرط في تطبيق أفكاره، الذي ألهم نجاحه كقائد ومحدّث، مع ذلك، أنداده الذين حاولوا أن يحذوا حذوه العلماني في بلاد أخرى.

كما هو المتوقع، ركز هؤلاء الإصلاحيون على تمكين المرأة حيث إن عدم وجود التعليم للمرأة أو الاعتراف بحقوقها شكّل فرقاً صارخاً بين مجتمعاتهم وبين الغرب، فافترضوا، بحق كما اتضح الأمر، بأن تحسين حالة المرأة من خلال حرية الحصول على التعليم وتوسيع الحياة العامة سيفيد بلدهم ككل. بينما استثمر بعض هؤلاء القادة في إمكانيات المرأة وأصلحوا القوانين لإيفادها، قام آخرون بتغييرات سطحية فقط محاكاةً للغرب من أجل إعطاء انطباع “الحداثة” بكل تجلياتها. وكثيراً ما بدأ طريقهم المختصر إلى الحداثة بحجر الزاوية الثقافي، ألا وهو ملابس المرأة، فحاولوا وتعثروا في غالب الوقت أن يرفعوا الحجاب حرفياً ومجازياً. أصبحت كلمة “النسائية” حسب خصوم هذه التغييرات الثقافية مرادفاً لإنكار الثقافة المحلية لصالح الثقافة الغربية، كما أصبحت قضية طبقات حيث إن النخبة المدنية احتضنت التغيير الاجتماعي بقدر ما اعترضه التقليديون الريفيون، وكذلك قضية سياسية حرضت حكام مستبدين لهم علاقات قوية مع الدول الاستعمارية السابقة ضد السلطات الدينية التي وجدت مكانتها وتسيدها مهددين بالعلمانية.

شاهدت النسائية العلمانية صعود وهبوط وهي موصولة ومربوطة بمصير حاكمي المنطقة المستبدين. وعلى مر العقود الأخيرة، من الجزائر إلى بغداد وطهران، انهار الكثير من هؤلاء القادة العلمانيون، وهم قد ضلوا وضاعوا نتيجة لفسادهم وممارساتهم الوحشية، وفي نهاية المطاف لتقصيرهم في الوفاء بوعود التحديث.

الحكومات العلمانية حول المنطقة تتقاتل اليوم باستمرار في قتال مؤخرة الجيش ضد قوى التطرف الإسلامي. وحتى في تركيا التي تفرط في علمانيتها، استولى حزب العدالة والتنمية زمام السلطة عقب انتخابات 2007، مما أدّى إلى مخاوف من أن إرث أتاتورك العلماني قد يلفظ آخر أنفاسه. وقد هدد الجيش التركي بالتدخل في شؤون الحكومة، كما سبق له أن فعل، لإبقاء التيار العلماني على قيد الحياة، ولا يزال يتربص على الهامش. بينما في دول علمانية أخرى مثل الجمهورية التونسية، يقتضي الحفاظ على النظام العلماني من الحكومة إبقاء أجهزة دولة بوليسية لا تختفي عن الأنظار.

من المناسب القول إن العلمانية كقوة سياسية جادة لا تستطيع الوقوف على قدميها في أي بلد من بلدان المنطقة، فمع أن مجموعات المعارضة العلمانية لا تزال موجودة في كل دولة، إلا أنها لا تتضمن في الغالب سوى المثقفين المدنيين ويعوزها القاعدة الشعبية، ويصعب عليها التنافس مع الحركات الإسلامية المتفوقة عليها تنظيماً وتمويلاً وتدعيماً التي تستفيد من شبكات خدمات اجتماعية قائمة على المساجد.

وقد تكون النسائية الإسلامية، نظراً للحساسيات الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية تجاه قضية تمكين المرأة بغض النظر عن دلالاتها السلبية أو ظاهرة صعود الإسلام السياسي في المنطقة، الطريق الأوعد في يومنا هذا لتجسيد العدالة بين الجنسين عبر الشرق الأوسط الأكبر، فيظل تمكين المرأة، سواء أكان استقباله حاراً أم فاتراً، عنصراً بالغ الأهمية من عناصر التنمية في هذه البلاد، كما يمثل هدفاً للمجتمع الدولي مصلحة أكيدة في تحقيقه.

_____
*يميز البعض بين مصطلحي “النسائية الإسلامية” و”النسائية المسلمة”، على أساس أن النسائية الإسلامية يمكنها أن تضم غير المسلمين في الحوار، ثم إن عدداً لا يستهان به من غير المسلمين أسهم في تطوير النسائية الإسلامية بما فيهم إليزابث وارنك فرنيا التي كان كتابها “البحث عن النسائية الإسلامية” رائداً في استكشاف الحركة الناهضة، ومارجو بدران التي كانت وما زالت تكتب وتحاضر عن النسائية الإسلامية لمدة سنوات.
*****
غير أن النسائية الإسلامية تعمل صراحة ضمن الإسلام وعليه فتبدو أقل تهديداً من النسائية العلمانية فإنها في نفس الوقت تطرأ أسئلة على جوانب عدة من الأرثوذكسية الإسلامية التقليدية، فالكثير من النسائيين الإسلاميين على سبيل المثال من أنصار الاجتهاد، أي عملية التوصل إلى تفسيرات جديدة للشريعة عن طريق التفكير النقدي عوضاً عن الطاعة التلقائية لمواقف أسلافهم من المفكرين. أسهمت عملية الاجتهاد خلال القرون المبكرة للإسلام في تشكيل الشريعة وتطويرها، فحينما لم يتناول القرآن أو السنة قضية ما (اكتشاف جديد أو ظاهرة جديدة مثلاً) أو حينما لم يجمع الفقهاء على الجواب لسؤال ما، كان بوسع المفتي أن يتوصل إلى حل يعتبره متسقاً مع قصد القرآن والسنة. ويمكن بعد ذلك قبول هذا الفتوى أو رفضه من قبل أتباع المفتي كما أرادوا.

ازدهرت عملية الاجتهاد حتى أواخر القرن العاشر ميلادياً حين كان الفقهاء من المذاهب البارزة قد حسموا أمور عديدة حول العقيدة والفقه. أخذ العلماء السنة التقليديون أن يعارضوا عملية الاجتهاد وهم يزعمون أنها قد تشوه الإسلام، فأصرّ بعض هؤلاء وهم أنصار النقل على استبدالها بقراءة حرفية للنصوص الدينية. فاعترضهم أنصار العقل المنبهين أن التفسيرات المتحجرة للشريعة قد تعرقل وتحبط عملية الإجابة على أسئلة العصر. ولكن الغلبة كانت لأنصار النقل على مر الأجيال، مما أدى إلى ظاهرة تسمى “إغلاق باب الاجتهاد.”

تهدف النسائية الإسلامية إلى فتح ذلك الباب فتحاً واسعاً نهائياً. في هذا الصدد، ينكبّ النسائيون الإسلاميون حول العالم الإسلامي على نص بعد نص من التراث الفقهي لإلقاء الضوء على الجوانب التقدمية لدينهم. يبحثون عن حل وسط بين دور حديث للمرأة وبين القيم الإسلامية التي يتبعونها بليون نسمة حول العالم.

رغم القيود البالغة المفروضة على النساء في قطع واسعة من العالم الإسلامي، فإن العقود الأخيرة شاهدت درجات مرتفعة من القراءة والكتابة بين النساء وتعرضهن الأوسع بفضل ظاهرة العولمة للإعلام الدولي في جميع البلاد تقريباً، مؤدياً إلى استفادتهن هذه التغييرات من أجل تحويل شروط المناقشة الدينية حول شؤونهن، فتتشكل الشبكات عبر الحدود الوطنية لتمكين حتى النساء الفلاحات الأميات في استدعاء الحجج الدينية اللازمة لمعارضة قرون من العادات والتقاليد المتشبث بها باسم الإسلام.

وعلى الرغم من كثرة ما تحظى به النسائية الإسلامية من ميزات إستراتيجية وفعلية، فإنها لا تزال تواجه بعض التحديات. فبادئ ذي بدء، فالعلمانيون المتجمدون لا يستسيغونها، سواء في مغارب الأرض أو مشارقها. على سبيل المثال، بعد أن عدت من زيارتي للقرية الأفغانية ومدرستها القائمة في المسجد، قدمت محاضرة في نيو يورك عن احتمالات التعاون مع الزعماء الدينيين لتوفير تعليم الفتيات وتحسينه في بعض المناطق الأكثر محافظة في العالم، فعندما تطرقت المناقشة إلى استخدام المسجد نفسه كمدرسة للبنات، قاطعتني امرأة من بين المستمعين، فأصرت على أن هذا المشروع مخطئ تماماً قائلة: “علينا اقتلاع القوى الدينية وليس ترسيخها.” قلت لنفسي إنها على الأرجح لم تزر المرتفعات الوسطى بأفغانستان، فقد يكون أنها لا تقدر الواقع السياسي والثقافي في المنطقة. لدى الذين حاولوا أن يطردوا القوى الدينية من مثل هذه الأماكن تاريخ حافل بالفشل الذريع. بكل بساطة، كانت وما زالت المعارضة الصريحة للقوى الدينية غير مثمرة في الكثير من الدول المسلمة الأغلبية (كما هو الوضع اليوم في أكثر من بلد غربي). نعم، إذا توقف تعزيز حقوق المرأة في الشرق الأوسط الكبير على اقتلاع الإسلام، فستستمرّ النساء المسلمات وقتاً طويلاً جداً في انتظاره.

ناقشت مفهوم النسائية الإسلامية بعد ذلك، في غضون مؤتمر عقد في المغرب، مع أستاذ تاريخ من جامعة تونس شغل أيضاً منصب مستشار وزير التعليم الأعلى في تونس. ابتسم ابتسامة عليمة وهو ينحني إلى الخلف في مقعده ويضبط كمي بدلته المخططة، فقال: “آه، لقد تغلبوا عليك. الإسلاميون يريدون أن تلعب النساء على ملعبهم حيث يمكن توريطهن إلى الأبد في جدالات دينية. لا، أقول لا. بالنسبة للنساء، الطريق الوحيد نحو المستقبل هو العلمانية.” إذا تبنينا منظراً طويل الأمد، قد يكون الأستاذ التونسي في نهاية المطاف على حق. ولكن اذا أخذنا في الاعتبار المشهد القصير الأمد، أين تتمتع العلمانية في المنطقة، خارج تونس وتركيا، بأكثر من شبه فرصة للنجاح؟

اعترف الأستاذ فيما بعد أن أكثر من 80 بالمئة من طالبات جامعة تونس، رغم الحظر على ارتداء الحجاب في المكاتب العامة والمدارس والجامعات، لا يزلن يرتدينه في فصولهن بصورة احتجاجية. تحسر الأستاذ على هذه الحقيقة فقال: “استعصى علينا تطبيق الحظر على ارتداء الحجاب. إذا حاولنا فسنضطر إلى إغلاق الجامعة.” إن ظاهرة الإسلامية استناداً إلى وجود الحجاب في كل مكان على قيد الحياة في تونس على الرغم من—أو ربما بسبب—العلمانية الرسمية المفروضة على البلد، وقد احتضنت الكثير من النساء المسلمات هذا البعد من دينهن كتعبير عن حقوقهن في حد ذاته. أي الحجاب في أنحاء المنطقة هو رمز للمقاومة ضد العلمانية الاستبدادية بقدر ما هو رمز للتدين.

وبالرغم من أن النسائيين الإسلاميين أنفسهم يعتبرون أن الإسلام يستوعبهم ويمكنهم من تحقيق أهدافهم، فإن العناصر المعادية للإسلام تشوه سمعة جهودهم، والكثير من هؤلاء يستبعدون الإسلام كدين كاره للنساء في أساسه ولا يرون له دوراً في تمكين المرأة، ثم إن بعض النساء اللواتي يظهرن على هذه الصفحات اتهمن باستخفاف الأبعاد المسيئة للنساء في دينهن أو تجاهلها.

يزعم المنتقدون أن النسائيين الإسلاميين ببساطة يتغاضون عن أهم المشاكل تشديداً على الأجزاء التقدمية من القرآن من حيث المرأة وتقليلاً من الأجزاء التي يصعب توفيقها مع المساواة بين الجنسين…ولكن ألا يجوز القول إن هذا يمثل جزءاً من نفس العملية الاجتهادية التي وقعت وتتواصل على مر الأجيال في كل ديانة اعتنقها البشر؟

يعتبر الكثير من النسائيين الإسلاميين أن جهودهم تشكل جزءاً لا يتجزأ من حركة إصلاحية أوسع في الإسلام، فكلما تتعمق النساء المسلمات في النصوص والفقه، من خلال المجموعات الدراسية غير الرسمية، أو بوصفهن مفكرين أو نشطاء، أو حتى عن طريق الدراسة الرسمية لكي يصبحن زعيمات دينيات أنفسهن، كلما يشجعن حواراً مفتوحاً حول التفسيرات والنوايا وراء بعض العقائد الدينية المسلّم بها.

منذ عدة سنوات، أثناء زيارة قمت بها للمنطقة، تبلورت في ذهني مختلف الطرق المتفاوتة التي يمكن من خلالها تفسير الإسلام. في السعودية على وجه التحديد، حاول صديق سعودي تلقى تعليمه في الغرب أن يشرح ويستخف بالقيود التي يفرضها بلده على النساء، فقال بجد إن السبب الوحيد الذي يمنع النساء في السعودية من قيادة السيارة أو التصويت في الانتخابات أو السفر في غياب المحرم هو الاحترام الذي يمنحه المجتمع السعودي للمرأة، فأصر بحسن النية على أن “هذه القيود موضوعة لمجرد حماية النساء،” وأورد كدليل على نقطته حديثاً نبوياً مشهوراً يقول إن “الجَنَّةَ تَحْتَ أَقْدَاْمِ ﭐلأُمَّهَاْتِ.” ولكن عندما ناقشنا هذه القضايا بعد ذلك في نفس الزيارة مع مجموعة من النساء السعوديات، قامت واحدة منهن موجهة إصبعها إلى السماء بحماسة فقالت: “ألا تعرفن أننا نستحق هذه الحقوق بأجملها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الجَنَّةَ تَحْتَ أَقْدَاْمِ ﭐلأُمَّهَاْتِ!”

وأخيراً لا شك في أن بعض النسائيين الإسلاميين سيحبطن المراقبين الغربيين من جراء مواقفهم المناهضة للغرب أو المناقضة للعولمة أو المعادية للصهيونية. ثم إن البعض لا يدين الكفاح المتطرف المسلح كإرهاب. البعض الأكثر محافظة منهم يتغاضون عن الممارسات الاجتماعية الراسخة، مثل تعدد الزوجات، التي يعتبرها آخرون قمعية. وبينما يشير ما لدى النسائيات الإسلاميات أحياناً من ملابس محافظة وآراء لصالح القضايا الإسلامية وجذور شعبية إلى استمرار الحالة الراهنة من ناحية، فإن هذه العوامل بالضبط هي التي تمنح للنسائيات الإسلاميات قدراً من المصداقية والنفوذ لكي يكن قوى تغيير فعالة في مجتمعاتهن.

بعض النساء الموصوفات أدناه تقيات للغاية. البعض الآخر لسن تقيات. البعض يرتدي الحجاب من أجل التقوى بينما يرتديه البعض الآخر لأسباب تكتيكية فيتمسكن هؤلاء النساء بالعادات الاجتماعية لتعزيز مصداقيتهن بحتاً. البعض يتخلى عن ارتداء الحجاب تخلياً كاملاً فالإسلام حسب فهمهن لا يقتضيه. ولكن الأهم أن جميعهن يستخدمن الخطاب الإسلامي بشكل أو آخر لتوسيع فرصة الوصول إلى التعليم والوظيفة والمجال العام، وهذا الوصول بصدد تحويل المجتمعات الإسلامية على أرض الواقع.
*****
ينقسم هذا الكتاب إلى جزءين، يقدم أولهما الخلفية التاريخية لحالة المرأة المتنازع عليها في الشرق الأوسط ولنهضة ما نسميه النسائية الإسلامية في المنطقة، بينما يفصل ثانيهما التجليات المعينة لظاهرة تمكين المرأة في خمس دول في الشرق الأوسط الأكبر. يجيب الفصل الأول من الجزء الأول على السؤال “لماذا ينبغي أن نهتم بحالة النساء في الشرق الأوسط؟” كما يعرض الأدلة الواسعة النطاق المشيرة إلى أن الاستثمار في النساء يجسّد دورة حميدة تتكون من أسر أصغر وموفورة الصحة، تربي أولاداً مثقفين ومتعلمين مساهمين في مجتمعات مدنية أكثر حيويةً. ومن جهة خاصة يستكشف هذا الفصل المحاور الثلاثة التي يقوم ويستند عليها تمكين المرأة: إمكان الحصول على الدخل والفرص التعليمية والمشاركة السياسية.

ويعرض الفصل الثاني من الجزء الأول نهضة النسائية الإسلامية منذ جذورها في أواخر القرن التاسع عشر بما فيها محاولات المفكرين المسلمين أن “يحدّثوا” الإسلام وهم يواجهون التحدي الاقتصادي والتكنولوجي من الغرب حتى الجهود الرائدة الأخيرة للمفكرين والمفكرات المعاصرين الذين يقرؤون القرآن على طراز أكثر تقدمياً، كما يظهر كيف أدّى الإسلام السياسي وفشل الاستبداد العلماني إلى النسائية الإسلامية بل واقتضاها. وبالإضافة إلى ذلك يتابع هذا الفصل نجاح الناشطين في تكوين شبكات عابرة للجنسيات وفي استخدام الاتصالات والإعلامات العالمية لنشر أفكار النسائية الإسلامية في وقت تتمتع النساء المسلمات العاديات بمستويات متحاسنة من التعليم وبفرصة قراءة القرآن الكريم والأحاديث وغيرها لنفسهن.

ويركز الجزء الثاني من الكتاب على تحول مجتمعات المنطقة على يد النساء المسلمات في خمس دول محافظة: إيران وباكستان وأفغانستان والسعودية والعراق. إن هذا “الهلال الاستراتيجي” يضم أكثر من 220 مليون نسمة و50 بالمائة من احتياطات النفط المعروفة في العالم، كما يضم دولة نووية غير مستقرة (باكستان) وأخرى متطلعة إلى القدرات النووية (إيران) وأحد أغنى دول العالم (السعودية) وأحد أفقرها (أفغانستان). هناك دول سنية الأغلبية (السعودية وأفغانستان وباكستان) بالإضافة إلى المركز الروحي والسياسي للشيعية الناهضة (إيران والعراق). ومن نافلة القول إنه الموقع لحربين مستمرتين. من المحتمل أن هذه القطعة من الكرة الأرضية، بكل تقلباتها واضطراباتها، ستحسم أمر الاستقرار أو انعدامه في عالمنا كما نعرفه. وسوف يكون مستقبل حقوق المرأة مركزياً لتحديد مستقبل هذه المجتمعات.

ومع أن كل مجتمع لديه ظروفه الفردية، فإن هذه المناحي الخمس توضح الاتجاهات المهمة الموجودة عبر المنطقة ككل: مطالب النساء لفرص تعليمية واقتصادية أوسع؛ جهودهن للحصول على المشاركة السياسية؛ التحول في هيكلة النفوذ الاجتماعي في مجتمعاتهن من النخب العلمانية إلى الحركات الإسلامية الشعبية وقضايا الطبقات الاجتماعية المتعلقة به؛ سعيهن إلى الحقوق القانونية وخاصة في مجال قانون الأسرة؛ وتأثير “الإسلام الجديد” الذي يتجلى في القنوات الفضائية على تشكيل وجهات نظر الجماهير إلى دور النساء في المجتمع. ومع أنه من الواضح أن الاختلافات من بلد إلى آخر مهمة، فإن التشابهات في جهود النساء عميقة ومهمة أيضاً.

النساء اللواتي أصفهن في هذا الكتاب يتسمن بالشجاعة والتصميم وهن بلا شك ملهمات. لذا فسنتعرف خلال هذه الصفحات على أبطال مجهولين مثل نسرين برفين الباكستانية، التي تخلق الآن حياة أفضل لنفسها ولأولادها عن طريق العزم وروح المبادرة، وقد كانت معدمة تسكن في العشوائيات، أو مثل البطلة الدكتورة سكينة يعقوبي التي تبذل جهودها وسط أحوال من العصور الوسطى لكي توفر الرعاية الصحية للنساء في أفغانستان، أو مثل الدكتورة حيفا جمال الليل، عميدة أحد من أبرز الجامعات للبنات في السعودية التي تقاوم بشكل مثابر -ولكن حذر- بعض القوى الأكثر تحفظاً في المملكة لدعم فرص تعليمية أوسع للبنات.

بيد أننا في نفس الوقت الذي تقوم فيه هؤلاء النساء بالتقدم الملحّ، نشاهد حرق المدارس للبنات وسجن النساء واغتيالهن وإلغاء القوانين التقدمية. مما لا شكّ فيه أن تقع النساء وقضاياهن إلى حد كبير على جبهة حرب مندلعة بين أنصار الحداثة والتسامح والتعددية من ناحية، وبين الأشخاص الذين يلجؤون إلى استخدام العنف لفرض أرثوذكسية متحجرة وإنكار الحداثة من ناحية أخرى.

إن هذا الكتاب في نهاية المطاف متفائل. فالثقافة يمكنها أن تتغير ومع أن التغيير غالباً ما يتشكل بصورة بطيئة وجزئية. ثم إن النسائية الإسلامية قوة ناضجة تيسر عملية التغيير الثقافي لملايين من المسلمين عن طريق الكفاح من أجل التقدم، بجانب الاحترام للإسلام والتماسك معه. بالطبع لن تكون العملية خطية، فقد كان تاريخ تمكين المرأة حول العالم وعلى مر الزمان متصفاً بالأخذ والعطاء – وأحياناً الأخذ أكثر من العطاء. ولكن التاريخ إن عاجلاً أم آجلاً سيفضل وجهة نظر الملا الأفغاني الذي يعرف أن “البنات إذا تعلمن تمكنّ من النهوض بالمجتمع”.

من فضلك وجّه كل التعليقات باللغة العربية إلى جون تشين:
jtchen08@gmail.com
كلمة شكر: المترجم يوجه خالص شكره إلى الدكتور نايل الشافعي لقراءته الدقيقة للمسودة.

Leave a Reply